ابن الجوزي

108

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

وثلاثمائة ، وسمع أبا عمر بن مهدي ، وأبا الحسن بن الصلت ، وأبا الحسين [ 1 ] بن بشران ، وغيرهم ، وكان أوحد أهل زمانه في فعل المعروف ، والقيام بأمور العلم ، والنصرة لأهل السنة ، والقمع لأهل البدع ، وافتقاد المستورين بالبر ، ودوام الصدقة ، وكان إذا وصل أحد وصله سرا [ 2 ] حيث لا يراه أحد ، فإذا شكره المعطي قال : إنما أنا في هذه العطية وسيط وليست من مالي ، ولما انحدر البساسيري إلى واسط أخذ ابن يوسف معه فنزل على رجل طحان ، فلما رحل عنه أعطاه شيئا ثم مضت مدة فركب [ 3 ] الطحان ديون ، فقصد بغداد ودخل على ابن يوسف فأكرمه ، وأفرد له حجرة ، وكساه وأمر بعض غلمانه [ 4 ] أن يسأله سبب قدومه فأخبره ، فحدّث ابن يوسف بذلك ، فأرسل رجلا إلى واسط واكترى له سفينة ، وحمل فيها ما يصلح حمله من الفواكه والتحف وكسوة كبيرة ، وأعطاه مائتي دينار وقال له : ناد في الجامع من له دين على فلان فليحضر ومعه وثيقته ، فإذا حضروا فعرفهم فقره ، وإن رجلا أقرضه شيئا ليصالحوه على بعض ديونهم . ففعل ذلك ، وأشهد عليهم بالقبض ، وحمل تلك التحف إلى بيت الطحان ، وعاد الطحان فظن أن ابن يوسف قد نسيه ، فأحضره وسأله عن سبب قدومه فأخبره الوثائق ، وأعطاه مائة دينار . 55 / ب قال / المصنف رحمه الله : قرأت بخط أبي الوفاء بن عقيل قال : كان أبو منصور بن يوسف عين زماننا ، وكان قد انتقد أهل زمانه فاستعمل كل واحد منهم فيما يصلح لهم ، فاستعمل للحجر والباعة أفره من وجد من الأحداث الأقوياء الشطار ، فما قهر على رأي ولا كسر له غرض في بيع ، واستعمل في إقامة الديانة الحنابلة مشايخ أفراد زهاد متنزهين عن معاشرة السلاطين ومكاثرة أبناء الدنيا يقصدون ولا يقصدون ، العوام تعظمهم وتحبهم ، والسلاطين توقرهم ، وأخذ بالعطاء والكفاية [ 5 ] أصحاب

--> [ 1 ] في الأصل : « أبا الحسن » . [ 2 ] في ص : « وكان إذا وصله أحد وصل في سر » . [ 3 ] في الأصل : « فركبت » . [ 4 ] في ص : « بعض أصحابه » . [ 5 ] في الأصل : « بالكفاية والعطاء » .